عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
132
اللباب في علوم الكتاب
معيّنة ، فكان كالمجمل المفتقر إلى المبيّن ، أو العامّ المفتقر إلى المخصص ، فبيّن في هذه الآية أن ذلك الطّلاق الّذي ثبت فيه للزّوج حقّ الرّجعة ، هو أن يوجد طلقتان ، فأمّا بعد الطّلقتين ، فلا يثبت ألبتّة حق الرّجعة فالألف واللام في « الطّلاق » للمعهود السّابق ، فهذا تفسير مطابق لنظم الآية ، فيكون أولى لوجوه : الأول : أن قوله : « وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ » إن كان عامّا في كلّ الأحوال ؛ فهو مفتقر إلى المخصّص ، وإن لم يكن عامّا فهو مجمل ؛ لأنه ليس فيه بيان الشّرط الّذي عنده يثبت حقّ الرّجعة ، فافتقر إلى البيان ، فإذا جعلنا الآية متعلّقة بما قبلها ، كان المخصص حاصلا مع العامّ المخصوص ، أو كان البيان حاصلا مع المجمل ، وذلك أولى من ألّا يكون كذلك ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الخطاب - وإن كان جائزا - ، إلا أن الأرجح ألّا يتأخّر . الثاني : أنّا إذا جعلنا هذا الكلام مبتدأ ، كان قوله : « الطَّلاقُ مَرَّتانِ » يقتضي ذكر الطّلقة الثّانية ، وهي قوله : « أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ » فصار تقدير الآية : الطّلاق مرّتان ومرّة ؛ لأنا نقول : إن قوله : « أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ » متعلّق بقوله : « فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ » لا بقوله : « الطَّلاقُ مَرَّتانِ » ، ولأن لفظ التّسريح بالإحسان لا إشعار فيه بالطّلاق ، ولأنّا لو جعلنا التّسريح هو الطّلقة الثّالثة ، لكان قوله : « فَإِنْ طَلَّقَها » طلقة رابعة ، وهو غير جائز . الثالث : ما روينا في سبب النّزول : من شكوى المرأة إلى عائشة كثرة تطليقها ومراجعتها قصدا للمضارّة ، وقد أجمعوا على أنّ سبب النّزول لا يجوز أن يكون خارجا عن عموم الآية ، فكان تنزيل الآية على هذا المعنى ، أولى من تنزيلها على حكم أجنبيّ عنها . فصل [ في معنى الآية ] اعلم أن معنى الآية : أن الطّلاق التي يثبت فيه الرّجعة « 1 » هو أن يوجد مرّتان ، ثم
--> ( 1 ) الرجعة قال في « المصباح » بالفتح بمعنى : الرجوع ، وفلان يؤمن بالرجعة أي : بالعود إلى الدنيا . وأما الرجعة بعد الطّلاق ورجعة الكتاب فبالفتح والكسر ، وهو أفصح . قال ابن فارس : والرجعة : مراجعة الرجل أهله ، وقد تكسر وهو يملك الرجعة على زوجته ، وطلاق رجعي بالوجهين أيضا . وفيه : رجعت المرأة إلى أهلها ؛ بموت زوجها أو طلاق ، فهي راجع ، ومنهم من يفرق فيقول : المطلّقة مردودة والمتوفى عنها راجع . قال صاحب « المختار » : رجع الشّيء بنفسه من باب « جلس » ورجعه غيره من باب « قطع » ، وقوله تعالى : يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ : أي يتلاومون . والرجعئ الرجوع ، وكذا المرجع ؛ ومنه قوله تعالى : إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ * وهو شاذ ؛ لأن المصادر من « فعل » إنما تكون بالفتح . ورجعه بفتح الراء وكسرها ، والفتح أفصح ، والراجع : المرأة يموت زوجها ، فترجع إلى أهليها ، وأما المطلّقة : فهي المردودة ، والرجّع : المطر ؛ قال تعالى : وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ . وقيل : معناه النفع .